|
* كم أنتم واهمون!
بقلم: فرمان صالح بونجق
*
موقع أخبار
الشرق – 14 تموز/ يوليو 2008
أكادُ
أعتقدُ بأنه ليسَ من الصعوبةِ بمكان قراءةُ الأشياءِ، ولكنَّ
الصعوبةَ كلّ الصعوبة تكمن في فهم هذه الأشياءِ، وكلما استطعنا
أن نفكِّرَ بصوتٍ مرتفع لا أنْ نتحدثَ بصوتٍ مرتفع، نكون قد
قطعنا شوطاً لا بأسَ به نحوَ فهم حقيقةِ ما قرأناه. وما أحاولُ
قوله هنا عبر هذه المقالةِ هو دعوةٌ لقراءةِ الأوضاع
المعقدَّةِ التي تكتنفُ سوريا في ظلِّ تغيراتٍ دراماتيكيةٍ هي
غالباً لم تأتِ من فراغ، وإنما هي نتاجُ عملياتٍ وحساباتٍ
معقَّدةٍ محليّةٍ وإقليميةٍ ودوليةٍ، وتؤثرُ وتتأثر بعدةِ
معطياتٍ أقلُّها معطيانِ أساسيان يكْمنانِ في التحكمِّ
وامتلاكِ السلطةِ والثروة بواسطةِ أدوات تقليديةٍ وأدواتٍ
مستحدثةٍ ومبتكرةٍ أيضاً وفي مقدمتها القوةُ الكامنةُ في
استخدام الطاقاتِ البشريةِ المجندةِ والتي تمتلكُ مؤهلاتٍ
وإمكانات ليست بالسهلةِ والبسيطةِ وفي مقدمتها السلاحُ كأحد
الأضلاع الثلاثة لأدواتِ الحكم الشموليةِ والتقليديةِ، وهذا
وعلى الأقل يضيءُ جزءاً من إشكالية النظام على المستوى الداخلي
البحت.
ويجري
الحديثُ وباستمرار عن بشار الأسد وخاصةً في أوساط المثقفين
والمراقبين في المحيطِ السوري على وجه الخصوصِ وفي المحيطينِ
العربي والدولي على وجهِ العموم، وكأنه هو الذي يمتلكُ مفاتيحَ
وأدواتَ الحلِّ والربطِ لكلِّ الأخطارِ المحدقةِ بسوريا في
المرحلةِ الراهنةِ، وأنا لا أجدُ هذا الرأي صائباً على وجهِ
الدقَّةِ، وإنما تبدو لي الصورةُ من زاويةٍ أخرى أكثرَ إضاءةً
وأكثرُ وضوحاً، طالما أننا وباستمرارٍ نطرحُ مفهومَ النظام
الشمولي كتعريف للحالةِ السورية الراهنةِ، ونحنُ على ما يبدو
شبه متفقينَ من حيثُ المبدأ على هذا التوصيف أو التعريف، علماً
أننا كنا قد اقتربنا كثيراً في مقالاتٍ سابقةٍ من مفهومِ
الدولةِ الأمنيةِ أو دولة الاستخبارات، وهذا في حدِّ ذاته
يشكِّلُ دعماً لمقولة أو نظريةِ الفكر الشمولي، والذي يعتمدُ
أساساً على إبعادِ واستقصاءِ أيِّ فردٍ أو مجموعةٍ عن مراكزِ
صناعةِ القرار أو حتى الإسهام في صناعتهِ مهما كانتْ طبيعةُ أو
صيغة أو مكانةُ مركزِ القرار هذا، ما لم يكن منسجماً مع
توجهاتِ وأهدافِ النظام.
وبشار
الأسد كغيرهِ ليسَ إلاّ أداةً صغيرةً في جسم الماكينةِ
الكبيرةِ التي تعملُ بانسجام تام معَ نفسها ومعَ مصالحها ومع
تطلعاتها ومع أهدافها الآنيةِ والمستقبليةِ، وإنَّ أيَّ جسم
مهما كان موقعه لا ينسجم والحالةُ هذهِ فإن الماكينةُ ستلفظه
خارج دائرةِ الحياةِ وخارج دائرةِ التاريخ إنْ أمكنَ ذلكَ، كما
لفظت مؤخراً شخصياتٍ كانتْ تؤدي أدواراً مهمةً وأرسلتهُم أو
دفعتهم إلى مساراتٍ أخرى هي بعيدةُ كلَّ البعد عن مسارها وعن
طريقةِ آلية عملها واندفاعها.
هذه
الماكينةُ اختارت بشار الأسد ليؤديَّ دورَ ذلكَ الموظف المتأنق
والذي يرسم باستمرار ابتسامةً صفراويةً على وجههِ في صالةِ
استقبالٍ في فندقٍ ما ليسَ إلاّ. وعلى الغالبِ فإنَّ شركة أو
مؤسسةَ أو منظمةَ ـ سمِّها ما شئت ـ الاستخبارات هي غالباً ما
تمتلكُ القدرة السيطرةَ والإشرافَ والتحكمَ في المطبخِ
السياسي، ويتمُّ إعدادُ ما يلزم دونَ أن يكونَ لرأسِ النظام
أيُّ دورٍ فيه سوى تقديمهِ لمنْ يلزم. وكثيراً ما يدلي
بتصريحاتٍ أو مواقفَ يتبينُ فيما بعدُ بأنها لا تنمُّ عن
الحقيقةِ ولا تتفق معها، مما يجعلها تصريحاتٍ مشينةٍ على مستوى
دولة.
وفي
اعتقادي، وأكادُ أن أكونَ جازماً في هذا الاعتقاد، وذلكَ
بالاستناد إلى المعلوماتِ المتوفرةِ حتى على مستوى الشارع،
بأنَّ معظمَ القراراتِ الهامةِ التي يتخذها النظام في سوريةَ
هي قراراتُ غيرُ وطنيةٍ ولا تستهدفُ لا مصلحةَ الوطنِ ولا
مصلحةَ المواطنِ، في الوقتِ الذي يفترض فيه تطابقاً تامّاً
وكاملاً بين المصلحتينِ. وبما أنَّ قراراتُ هذا النظام لا
تخدمُ القضايا الوطنيةِ، فإنها وبلا أدنى شكٍ تصبُّ في مصلحةِ
وخدمةِ أطرافٍ أخرى ربما إقليميةٍ أو دوليةٍ، وإلاّ فلماذا
يُعتقلُ أبناءُ سوريا بالآلافِ ويقتلون في مدنهم وشوارعهم وحتى
في سجونهم التي ارتضوا بها أملاً في الخلاص. وأيّاً كانتْ
الجهةُ أو الجهاتِ التي تقفُ وراء هذهِ القرارات، فإنَّ
السوريينَ في الداخلِ والخارجِ يدركونَ ماهيتها وأبعادها
وتداعياتها بشكلٍ واضحٍ لا لبسَ فيهِ، ويدركُ الشارعُ السوري
الأسبابَ الكامنة وراءَ التواجدِ الإيراني الكثيف على الترابِ
السوري، ومع أنَّهُ ليستْ هناكَ أيةُ وثيقةٍ تاريخيةٍ أو
دستوريةٍ تثبتُ بأنَّ سوريا جزءٌ من إيران، إلاّ أنّهُ غالباً
ما يدورُ الحديثُ في الشارعِ السوري عنْ إيرانَ أكثرَ مما يدور
عن سوريا نفسها، وإلى وقتٍ قريبٍ ـ وتحديداً إلى ما قبلَ غزوةِ
حزب الله لبيروتَ ـ كان الحديثُ يتناولُ حسن نصرالله أكثر مما
كانَ يتناولُ بشار الأسد نفسه. وفي الوقتِ الذي يُشاعُ الحديثُ
عن إمكانيةِ فكِّ الارتباط بين سوريا وإيران تحتَ الضغطِ
الدولي وتحديداً الإسرائيلي والأمريكي، يُخفي النظامُ في سورية
ابتسامةً ساخرةً مما قيلَ ومما يُقالُ عن فكِّ الارتباطِ هذا
على الأقل حتى تتكشَّفَ خفايا الأمور، أو حتى تتمَّ عودةُ
سوريا إلى الحضنِ العربي وفق رغباتها وشروطها، وهذهِ العودةُ
ليستْ ظاهرةً للعيانِ على المدى القريبِ، هذا إذا استطاع
بمجرّد التفكير في فك الارتباطِ دونَ دفع الفاتورةِ المكلفةِ
والمكلفةِ جداً.
هذا من
جهةٍ أمّا من جهةٍ أخرى، فإذا كان النظام في سوريا يعتقدُ بأنّ
إرساله بشاراً إلى فرنسا سيعودُ عليه بالنفعِ من جهةِ كسر
العزلةِ المفروضةِ عليهِ، فإنه واهمٌ وواهمٌ، لأنَّ هذهِ
الزيارةَ وغيرها وعشراتُ الزياراتِ على شاكلتها لن تستطيعَ حلّ
الملفاتِ العالقةِ دولياً وإقليمياً ووطنياً، وإنّ السقفَ
الأعلى للتوقعاتِ بأن بشار سيعودُ بِخُفَيْ حُنَيْن، وفي أحسنِ
أحسنِ الحالات ربما سيعود بشرفِ مصافحةِ إيهود أولمرت لا غير.
إذاً ما هي
الآفاقُ المتبقيةُ لبشار الأسد لكي يُخرجَ نفسه من المآزقِ
التي وضع نفسه فيها؟. وباعتقادي هناكَ مخرجينِ لا ثالثَ لهما،
فإمّا العودةُ للوطنِ والمواطن، وإصلاح ما يمكنُ إصلاحه، وهذا
مستبعدٌ في ظروفِ القمعِ والقتل الممنهج الذي يمارسه نظامه،
وكان آخرها مجزرةُ سجنِ صيدنايا، وإمّا بقاؤهُ متأنِّقاً
ومبتسماً في صالةِ الفندق ليسَ إلاّ.
__________
* كاتب
سوري |