|
* من تدمر المؤسِّس
الى صيدنايا الوريث: رحلة مستمرة طالما استمر الشعب مغيباً
موقع
أخبار الشرق – الاثنين 14 تموز/ يوليو 2008
فريد حداد
برهان
جديد، على استخفاف السلطة السورية بمصير الوطن، وحقوق المواطن،
يأتي من سجن صيدنايا العسكري اليوم، كما أتى بالأمس من سجن
تدمر العسكري. فمن تََنَكَّر لانتماء لواء اسكندرون للوطن،
وشطبه من خارطته ثمناً لدعم تركي لاستمرار النظام. ووضع مسألة
إعادة الجولان الى الوطن الأم في آخر أهتماماته كما يشهد عليه
مفاوضيه (الأسرائيليون). وتجاهل لأكثر من عشرين عاماً مصير
مقاومي الجولان في سجون الأحتلال. وزج بخيرة النساء والرجال
السوريين في غياهب سجونه لسنوات وسنوات طوال. وأغتال خيرة
الرجال في سورية ولبنان وفلسطين. ودمّر مدناً فوق رؤوس ساكنيها
في حماه وطرابلس وتل الزعتر. لايصعب على نظام كهذا، أن يقتل
ألوفاً أخرى من المعتقلين، خاصة ان جزءاً كبيراً منهم لايعترف
النظام أصلاً بوجودهم في سجونه، ومنهم نسبة لايُستهان بها من
المواطنين العرب.
شيء واحد
وحيد كان أتفه من البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية السورية،
والذي نشرته وكالة أنباء سانا، حول أحداث سجن صيدنايا، وهو،
العقل الذي يُدير شؤون هذا النظام وماكينة دعايته. وبحسب
البيان، فعلى الناس أن تقتنع بأن بعض السجناء الأرهابيين (وهنا
بيت القصيد) قد اعتدوا على زملاء لهم أثناء قيام الإدارة بجولة
تفتيشية على الغرف. لماذا؟؟؟ الله أعلم. ولماذا يتم الأعتداء
أثناء التفتيش؟؟؟ ايضاً الله أعلم. ما علاقة تفتيش الإدارة
باعتداء السجناء على بعضهم؟؟؟؟ الله أعلم. ألم يكن من الأجدى
لهؤلاء (الأرهابيين) أن يعتدوا على رجال الإدارة نفسها بدل
الأعتداء على بعضهم طالما انهم أرهابيون بحسب البيان؟؟؟ كله في
علم الغيب بالنسبة لبيان وزارة الداخلية.
لاتتوقف
سخافة وديماغوجيا النظام عند هذا الحد في البيان، (فسجين) أتصل
بقناة الحرة ليقول " نحن هنا كلنا ممن كنا ذاهبين الى العراق
لقتل الأمريكان، أو ممن كانوا عائدين من العراق " فلو كان هذا
المتصل صادقاً، وهو حقيقة سجين ولا يتقمص هذا الدور، فلماذا لم
يتصل بقناة المنار، عسى أن يتلقى بعض الدعم والتعاطف من
مشاهديها؟ لماذا قرر الأتصال بقناة أمريكية، ويحدد من خلالها
(اي القناة) (هوية) السجناء باعتبارهم ذاهبين الى العراق لقتل
الأمريكان او عائدين من قتل الأمريكان؟؟ هل هو سجين فعلاً؟؟؟..
أم أن الذكاء الغبي للنظام، دفع بأحد عناصره ليجري هذا
الأتصال، بغرض الحصول على ما كان يحصل عليه النظام في السابق،
من صمت وتغطية ومباركة أمريكية لذبح هؤلاء السجناء؟؟
للسجون في
دول العالم مهمتان فقط، وهما، إما لمعاقبة مخالفي القوانين، أو
لحماية المجتمع من مجرمين عتاة، بعزلهم في السجون. وفي كلا
الحالتين يتم حجز حرية هؤلاء في السجن، بحكم أو بأمر صادر عن
جهة قضائية مستقلة.
الا في
سورية، وفي دول شبيهة، محكومة من قِبل أنظمة فاسدة ومستبدة على
غرار نظامها، فالسجون بُنيت لتكون مؤسسة عاملة الى جانب مؤسسات
سلطوية أخرى، على اعادة تكوين الفرد وبالتالي المجتمع، فتعمل
على تحطيم إرادة الأنسان، وسحق آدميته، وتحويله الى مسخ يقتات
على فضلات موائد الحاكم، وتحويل المجتمع الى جيش من العبيد،
يُسخّر في الليل والنهار لخدمة نزوات الحاكم الدنيئة، ونزوات
عائلته وحاشيته.
فكل من مر
على واحد من سجون النظام في سورية، يعرف هذه الحقيقة. ويعرف ان،
التجويع، والتعطيش، والمنع من النوم، والمنع من استعمال
الحمامات، والعزلة الكاملة عن العالم الخارجي، واحياناً حتى عن
السجناء الآخرين، والتعذيب المستمر من دون مواعيد محددة، بهدف
جعل السجين يعيش وبشكل دائم وعلى مدار الزمن الذي سيقضيه في
السجن سواء شهر واحد او عشرون عاماً، في حالة ترقب وخوف وزعر
بان التعذيب والأذلال قادم في اية لحظة مقبلة، مما يؤدي مع
الزمن الى شلل جهازه العصبي وتدمير قابليته للمقاومة. كذلك شتم
الذات الإلهية، والمقدسات، والكتب السماوية. كذلك شتم الأعراض،
والتهديد بانتهاكها. كل ذلك يشكل أدوات أنتاج يستعملها النظام
في عملية إعادة أنتاج ذلك المخلوق المسمى مواطناً، أو معارضاً،
أو مثقفاً.
ولذلك فإن
الأخبار القادمة من سجن صيدنايا العسكري، عن تمرد قام به
السجناء ضد جلاديهم، ليست بالأخبار الغريبة أو المفاجئة على من
عنده بعض المعلومات عما يجري هناك وراء الجدران. بل هي مناسبة
لنقف خاشعين إجلالاً لعذابات هؤلاء الرجال، ومناسبة للفخر
برجولتهم التي رفضت التدجين عبر سنوات طوال من السجن والعزل
والتعذيب، والتي واجهت رصاص المجرمين خريجي مدارس حافظ وبشار
الأسد، بصدور عارية لاتحميها الا حبها للحياة، ورفضها للتدجين.
إن مسعى
النظام لتصوير سجناء صيدنايا بانهم إرهابيون، للإيحاء بأن ما
قاموا به من تمرد هو جزء من طبيعتهم، أو تكوينهم النفسي
الإرهابي، هو مسعى فاشل ومردود عليه. لأن سجناء صيدنايا هم
سجناء رأي مسالمون، ولا أدل على مسالمتهم أكثر من تسليمهم
للسلاح الذي استولوا عليه من رهائنهم جلادي السجن، وعدم
استعماله، وإفراجهم أيضاً عن الجلادين، رهائنهم، اللذين ساموهم
ُمّر العذاب، سالمين من دون أذى.
إن الآلام
التي يعاني منها السجناء في سجن صيدنايا وغيره من السجون في
سورية، بالإضافة الى ما ذكرناه سابقاً عن المعاملة داخل السجن،
تأتي بسبب التوقيفات الطويلة الأمد من دون محاكمة، بموجب قانون
الطوارئ والأحكام العرفية السارية المفعول منذ عام 1963، أي من
دون معرفة نهاية لهذا الجحيم، وبالتالي الحياة داخل الجحيم من
دون أمل. كذلك الأحكام القرقوشية التي تصدر على البعض من محاكم
غير دستورية. هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء انتفاضة سجناء
سجن صيدنايا، وهي نفسها ستكون الأسباب وراء انتفاضات لاحقة في
نفس السجن وسجون أخرى.
إنني أناشد
الأمم المتحدة ممثلة بهيئاتها المختصة، كما لجان حقوق الإنسان
الدولية والعربية والمحلية، العمل على حماية حياة السجناء في
سورية، وحماية حقوقهم، وفي مقدمة هذه الحقوق، الإفراج الفوري
عنهم، أو تقديمهم فوراً الى محاكم مدنية عادلة وعلنية، تتحقق
فيها كل الشروط الدولية للنزاهة، وفي مقدمتها وجود قضاة
حياديين ونزيهين. كما وحماية عائلاتهم من ردود الفعل
الانتقامية لأجهزة النظام. على الرغم من قناعاتنا بأن الحماية
الوحيدة الفعالة للسجناء وأسرهم، هي الحماية التي تأتي من عودة
الشعب السوري الى ساحة الفعل السياسي، ومسك زمام أموره بيده
حاضرا ومستقبلاً، وذلك عبر العمل السياسي الديمقراطي السلمي
المنظم في صفوف أحزاب المعارضة الديمقراطية المنضوية بتحالف
تحت يافطة أعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، والعمل
المنظم المشترك بين الجميع لإجراء التغيير الديمقراطي الضروري
في حياة البلاد من أجل وضع سورية على سكة التطور الطبيعي كباقي
شعوب الأرض المتحضرة. |