|
* حبّذا العودة إلى
الرشد
بقلم: حميد عواد *
أخبار
الشرق – 7 تموز/ يوليو 2008
يُحسد
لبنان على موقعه الطبيعي الآمن نسبياً من ضربات الهزّات
المدمرة والمتكررة، والبعيد عن مدى انفلاش حمم البراكين
ومسارات الزوابع والأعاصير وعن نطاق بيْد القحط والجدب
والتصحر.
ويُشتهى
أكثر لغناه الطبيعي وخصبه وجودة ثماره وطيب مناخه وشواهده
التاريخية البارزة للعيان أو المطمورة في كل أرضه.
ولأن
"الجنّة من دون ناس (طامحة ومضيافة تضخ فيها صخب الحياة) ما
بتنداس"، ما قُدّر للبنان أن يصبح درّة الشرق ومنتداه الثقافي
لولا الجهود الخيّرة التي بذلها أبناؤه الطافحون بعشقهم لحلاوة
الحياة.
يوم نعم
لبنان بسلام واستقرار، أنضجت الخميرة اللبنانية الأصيلة العجين
ونفحت نهضة ازدهار وعمران وفورة اقتصاد، ونشّطت التلاقح الفكري
والتفاعل الحضاري، فرفعت لبنان إلى مصاف نموذج إنساني فريد
ورائد في رقيّه.
لكن للأسف
الشديد لم يسلم هذا الوطن الوادع من صليات أطماع الجوار
الحاقد، وجموح طغيان العقائد المنحرفة وشهوات السيطرة العنفية،
وقذائف البارود وبخّات التحريض، وزخّات المال المسموم التي
تناوبت على تخريبه والتنكيل بأهله.
وإذا كانت
فظيعةً ذنوبُ الغزاة الذين شنّوا حملاتهم العسكرية على الوطن
أو دسّوا الدسائس على أهله، وأهول منها تواطؤ المقيمين في
إعداد وحياكة وتنفيذ المؤامرات، فبماذا يُنْعت وكيف يُصنّف
حاملو التذاكر اللبنانية الذين ضلّلهم التبشير الهجين فحرفهم
عن الولاء الوطني وفسخهم عن مجتمعهم وذ2جّهم في نهج تصادمي
هدّام وخطير؟
يستحق
اللبنانيون - بعد طول إجهاد واستنزاف - فسحة أمان وطمأنينة
وسلام لالتقاط الأنفاس والمثابرة على إحياء الوطن والبناء
والإنماء بالجهود الجبّارة التي ما انفك عن بذلها الخيّرون
خلال انقشاع فترات الهدوء الفاصلة بين صولات التعكير الناشئة
عن احتدام "مضاربات" بورصة الصراعات الإقليمية. لا يخفى على أي
نبيه مرامي معتنقي عقائد التزمُّت والفرز والهيمنة مهما
تحذلقوا في تزيينها وإسباغ صفات العصمة عليها.
فإرباك
ترميم وإعادة بناء مؤسسات الدولة بذريعة مطالب تعجيزية متوالدة
والاستقواء عليها بالانتشار الميداني لخلايا و"قواعد" مسلّحة
(كالفطر "من فقش الموج لمرمى الثلج"، في عمق السهل والمدن
والريف) وتطويق المواطنين والمسؤولين و"مداهمتهم!" والتهديد
بالمزيد، واضح للعيان.
إن تأسيس
"قاعدة" "الرعاية" الإيرانية في لبنان، بالتنسيق الوثيق مع
النظام السوري ومخبريه، خلق كياناً يجمع بين مواصفات "الباسيج"
و"الباسدران" منفصلاً عن الدولة، يسعى بشكل حثيث إلى تذويبها
في بنيته وإلحاقها بإستراتيجية عرّابيه.
على صورة
جموح نزعة السيطرة التي تحرك النظام الإيراني في المنطقة،
يتصرف حزب "أبنائه البررة" في لبنان.
ومثلما
أنكر النظام السوري على العرب الأقحاح عروبتهم للاستئثار
بشعارها، كذلك أنكر أركان الحزب الآنف الذكر على اللبنانيين
الأصلاء وطنيتهم.
وكمجلس
"صيانة الدستور" الذي يؤهل المرشحين للنيابة في إيران، نصّب
نفسه لجنة امتحان لفرز ورفض أو قبول المرشحين للمناصب
"الحساسة" وأكثر.
إن توجيه
السلاح نحو المعترضين على "قدسيته" و"حصانته" ضد ولاية الدولة،
لفرض مشروع "ولاية" حاضن الدويلة، هو خطأ جسيم شحن العصبية
المذهبية وأضعف هيبة الدولة في مواجهة خلايا التطرّف الداعية
إلى الحماية المسلحة الذاتية لبؤرها.
يثير هذا
الواقع المؤسف في الأذهان القول المأثور: "علّمته رمي السهام،
فلم اشتدّ ساعده، رماني!".
لا يظنّن
المستقوون بالفصائل المسلّحة على المواطنين الودعاء ودولتهم
أنهم يكسبون ويضمنون الأمان من افتراس "حماتهم"، فكم من غزال
هارب من أسد يتّمه، حظي بحماية أمومة اللبوة لفترة من الزمن
تمكن بعدها الأسد المترصّد من مغافلتها وفتك بالغزال.
في هذه
الظروف الحرجة لا يجوز الضياع في دهاليز المماحكات السياسية
والطيش في توزيع الأنصبة والمناصب، طالما بقي الخطر كامناً في
لبّ الصراع بين مشروع التطور والنمو في رحاب الحداثة النقيّة
والديمقراطية الحقّة، ينازعه مشروع التقوقع والتعصّب
والعبودية.
إن عزل
الأجيال اليانعة في خلوات التلقين الموتور ليغرز في أذهانها
أوامر رجعية صارمة تحرّم الانفتاح وتوصي بالغلبة العددية
والتفرّد بالتنظيم العسكري وحمل السلاح خارج مؤسّسات وسلطة
الدولة، هو دعوة للتنابذ بدل الألفة وتفكيك لأواصر الودّ
والتضامن والتكافل والتعاضد.
فحرصاً على
سلامة الحياة الوطنية يجب تضافر جهود كل المخلصين لإطلاق نهضة
وطنية شاملة تدعم تعزيز مؤسسات الدولة وسيادة سلطاتها على كافة
المرافق وكامل التراب الوطني وقاطنيه.
الواجب
الوطني يقضي بالتحذير من خطورة النهج المنحرف، وبالحضّ على
التحرر من العقد والخوف، وبالافتخار بقيم التراث الوطني،
وبترسيخ أسس تربية مدنية صالحة تساهم في تنقية الضمائر وتصفية
النيّات وترجيح كفّة التعقل وبلورة رؤيا مستقبلية ناصعة ومشرقة
للوطن، تليق بنبل رسالته الحضارية وباستحقاق أبنائه.
في حمأة
التناكف وتلاطم الموج بين مدّ وجزر الحركة السياسية والتعكير
الأمني والتعطيل الاقتصادي على مدى ستة عشر شهراً عجافاً،
انتُخب رئيساً للجمهورية قائدُ الجيش العماد ميشال سليمان،
المرموق الشخصية التي أجمع على تقدير رفعة مناقبها وصفاء
وطنيتها وعمق ولائها، كل شرائح الوطن وكل الدول الصديقة.
وقد تمّ
ذلك برعاية عربية مشكورة أدارتها دولة قطر وكخطوة أولى من
الاتفاق الذي عقد في الدوحة.
و استجابة
لهذا التسهيل ووفاء بوعده، سيفتح الرئيس الفرنسي ساركوزي أبواب
الإليزيه للرئيس السوري بشار الأسد في 13 تموز بعد دعوته
للاشتراك في المؤتمر المعدّ لإنشاء "الإتحاد من أجل المتوسط".
أما الرئيس
الفرنسي السابق جاك شيراك الذي أوصد باب قصر الرئاسة في وجه
الرئيس السوري استنكاراً لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري،
فإنه اتخذ موقفاً قاسياً بالغ المدلول بمقاطعة احتفال العيد
الوطني (14 تموز) استنكاراً لحضور الرئيس الأسد.
في هذا
الإطار قد يُعطى الوطن، الذي يقاسي الآن مخاضاً عسيراً
لاستيلاد حكومة وحدة وطنية، "حقنة مسهّلة" قبيل الزيارة
المذكورة لكسب مزيد من التكريم.
فرأفةً
بالوطن ورفقاً بأهله وحرصاً على تسهيل مهمة الرئيسين في إطلاق
عجلة ورشة استكمال بناء الدولة، ليخفّف المتبجّحون من غلوائهم
ويكفّوا عن التعقيد المجيّر لحساب مساومات الجار وحليفه
الإيراني.
إن فرض
الشروط على قيامة الدولة وتشكيل أجهزتها ليس من حقّ أحد بل إن
الدولة هي التي تملي، بدستورها ونظامها ومؤسساتها وقوانينها،
شروط اللعبة السياسية الديمقراطية على كل الفرقاء.
أحد أوجه
المصائب التي تنكب لبنان، هو التطفّل والانقضاض على الشأن
الوطني العام من جانب جماعات تحاول "تشذيب" اهله ومحو تاريخه
وتراثه بـ"التطهير" العقائدي والناري.
لا يجوز
الإمعان في تشويه صورة لبنان الغنيّ والسخيّ، ولا يصح طمس
إنجازات مواهب أبنائه الواسعة الانتشار.
ليتذكّر كل
من يتعاطى بشؤون الوطن أن قرقعة السلاح وضجيج التهديد وصخب
الخطب الجوفاء لا ترفع المقام ولا تبني وطناً. بل بالخدمة
المتفانية يسمو الخادم إلى مرتبة السيادة.
فلنقتد
بسيرة الطوباوي يعقوب الكبّوشي الذي اغتذى وجدانه من النعمة
الإلهية فكرّس حياته لخدمة الضعفاء وآواهم واعتنى بهم فسلك درب
القداسة واستحقّ التكريم.
__________
*مهندس
وأكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية |