|
* واشنطن وطهران .."هبّة ثلج وهبّة نار"
بقلم: عريب الرنتاوي *
أخبار الشرق - 5 تموز/ يوليو 2008
العلاقات بين كل من واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة
أخرى، تمر بمرحلة من الانفراج النسبي تلي مرحلة من التصعيد
بلغت حد التلويح بالحرب والتدرب على تكتيكاتها ومناوراتها،
والأرجح أن وضعا كهذا سيستمر، وسيستمر معه تعرّض المنطقة لهبات
من "ثلج وأخرى من نار"، وحتى إشعار آخر.
سفير واشنطن في تل أبيب ينفي بشدة أنباء تحدثت عن احتمال توجيه
ضربة عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل منفردتان أو
مجتمعتان ضد أهداف إيرانية، وذلك بعد مرور أقل من 48 ساعة على
تصريحات صدرت عن رئس هيئة أركان الجيوش الأمريكية معترفا فيها
وللمرة الأولى بأن بلاده لن تستطيع فتح جبة ثالثة ضد إيران،
فيما جبهتي حربها الكونية على الإرهاب لم تغلقا بعد في
أفغانستان وكابول.
أما في إسرائيل، فما زال الجدل محتدما حول طبيعة "الضربة
العسكرية التالية"، وما إذا كانت طهران سترد على النار بالمثل،
أين وعلى أية جبهات وبأية وسائل وأسلحة، وقد وفرت لنا تصريحات
موفاز وتسريبات مناورة بحر إيجة وما أعقبهما من ردًات فعل
وجدال داخلي، مادة خصبة للتعرف على خريطة المواقف الإسرائيلية
المختلفة حيال مسألة من هذا النوع.
واشنطن لن توقف يوما الحديث عن "جميع الخيارات المفتوحة"، ولن
تسحب – حتى إشعار آخر – أي من خيارات تعاملها مع "التهديد
النووي الإيراني"، وفي المقابل، فإن إسرائيل ستظل تبعث لطهران
بالرسالة تلو الأخرى عن نواياها واستعداداتها القتالية، وستحرص
على أن تبقي طهران في دائرة الاستهداف السياسي والاقتصادي
والعسكري على الدوام.
طهران من جهتها، حافظت على "منهجية مستقرة" في تعاملها مع
التهديدات والتلويح بالقوة والتدرب على طرق استخدامها، فهي من
جهة أولى واصلت برنامج التخصيب من دون توقف أو حتى عمليات حجب
وتخفي، وهي من جهة ثانية تعاملت مع مختلف هذه التهديدات كما لو
كانت واقعة غدا..لكنها من جهة ثالثة، ظلت على الدوام تقلل من
شأن هذه التهديدات وتؤكد أن أحدا لن يجرؤ على ضربها، وأن الحرب
ليس مرجحة.
أمس، خطت طهران خطوة إضافية على طريق تبديد مناخات التصعيد
والتوتر عندما أعلن وزير خارجيتها منو شهر متكي، بأن حربا لن
تقع، وان تقدما يطرأ على مسار التفاوض الإيراني مع مجموعة
الـ"5+1"، وان تقدم المواقف الدولية حيال طهران وتحسنها، يشمل
أيضا الموقف الأمريكي.
واللافت أن تصريحات من هذا النوع تزامن مع استعداد أمريكي لفتح
مكتب تمثيل مصالح في طهران التي لم تشهد أي تمثيل أمريكي منذ
عام 1979، كما تزامنت هذه التحليلات مع توجهات لدى البلدين،
إيران والولايات المتحدة، لتشغيل خط طيران مباشر بينهما، ولأول
مرة منذ سنوات وعقود.
الخلاصة أن ثمة سباقا بين الحرب والسلام على جبهة العلاقات
الأمريكية – الإيرانية، وأن هذا السباق مرشح من ضمن سيناريوهات
عدة، لبلوغ ضفاف الحرب الشاملة والانزلاق في أتونها، أو ملامسة
أطراف "صفقة شاملة" تخرج بنهايتها طهران وواشنطن بالكثير من
"الحصرم" غير آبهتين بمن "سيضرس" من حلفائهما العرب.
العرب كارهون لكلا السيناريوهين، وإن كانوا لا يملكون قولا
فصلا حيال أي منهما، فهم يخشون الحرب الشاملة لأن كثير من
دولهم ستكون مسرحا لعملياتها الحربية، وهو يخشون الصفقة
الشاملة لأن لديهم ما يؤكد بأنهم سيدفعون من "كيس قضاياهم
القومية" ثمنا لها، وإلى أن نهتدي إلى حل لهذا "اللغز"، سنظل
جالسين على مقاعد المتفرجين والنظّارة، نعد الأيام ونحصي
الخسائر.
__________
* مدير مركز القدس للدراسات السياسية |