|
* إشكالية الحريات
الأكاديمية في العالم العربي
بقلم: الدكتور عبد الله
تركماني *
أخبار
الشرق – 4 تموز/ يوليو 2008
شاركتُ في
المؤتمر الخامس والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر بدعوة كريمة من
"مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات" و"مؤسسة كونراد
أديناور" في تونس، خلال الفترة من 19 إلى 21 يونيو/حزيران
الماضي. وقدمتُ ورقة تحت عنوان "جدل العلاقة بين الحريات
الأكاديمية والنسق السياسي العربي"، وأود أن أطلع قارئي الكريم
على بعض ما أثرته في تلك الورقة.
لا يمكن
الحديث عن الحريات الأكاديمية بمعزل عن الحريات العامة في أي
مجتمع، وبالتالي بمعزل عن مجموعة الأنساق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والسياسية. وفي مقالتنا اليوم سنتناول
الحريات الأكاديمية من زاوية علاقتها بالنسق السياسي العربي.
إذ أنّ الوضعية مؤسفة للغاية، فطيلة نصف القرن الأخير، تعرضت
مؤسسات التعليم العالي في البلدان العربية إلى التوظيف السياسي
واستُغلت كفضاء للتأطير الإيديولوجي.
وفي
الواقع، تمثل أزمة البحث العلمي مجالا مهما للعديد من
الإشكاليات الرئيسية، عن موقعه في خريطة اهتمامات السلطة
والمسؤولين والمشرفين على التعليم العالي والبحث العلمي: علاقة
السلطة في العالم العربي بالبحث العلمي وعلاقة البحث العلمي
بصناعة القرار، وعلاقة الدول العربية بالأدمغة المهاجرة
والكفاءات العلمية العربية الموجودة في مختلف أنحاء العالم،
وماذا فعلت الحكومات العربية لاستقطاب هذه الكفاءات أو على
الأقل الاستفادة منها؟
وفي هذا
المجال، يمكن الإشارة إلى أنّ الأزمة العربية بمجملها هي أزمة
قيادة تفتقر، في النسق السياسي، إلى القدرة على استيعاب
المتغيّرات في البيئة الدولية، خاصة قصور النظرة إلى الأساليب
الديمقراطية في قيادة المجتمع والدولة. فقد استولت النخب
الحاكمة على الدولة، وتحولت إلى سلطات لم تأخذ من أدوار الدولة
سوى الجانب الأمني، من دون أي اعتبار للمفاهيم الأخرى
كالمواطنة والديموقراطية والتنمية والتطور الاقتصادي
والاجتماعي.
وكان من
نتيجة أزمة النسق السياسي العربي أن استفحلت ظاهرة هجرة
الكفاءات العربية، إذ جاء في ورقة عمل حملت عنوان " هجرة
العمالة العربية، الفرص والتحديات " قدمتها إدارة السياسات
السكانية والهجرة في جامعة الدول العربية للاجتماع الأول
لوزراء الهجرة العرب في فبراير/شباط 2008، أنّ نحو 70 ألف
جامعي عربي يهاجرون سنويا من مجموع 300 ألف متخرج سنويا من
الجامعات العربية، وحذرت من أنّ أكثر من مليون مهاجر عربي في
بلدان منظمة التعاون الاقتصادي للتنمية "
C. S.D " حاصلون
على شهادات جامعية عليا، وأنّ عدد الأطباء العرب الذين يهاجرون
سنويا نحو البلدان الأوروبية يقدر بنحو خمسة آلاف طبيب. وقدّرت
خسائر العالم العربي، بسبب هجرة الكفاءات، بنحو 1.57 مليار
دولار سنويا.
ومن بين
أهم الأسباب الداخلية التي دفعت العقول العربية إلى الهجرة
خارج الفضاء العربي نذكر:
أولا - إنّ
التقدم الوظيفي في الدول العربية مرهون، إلى حد بعيد، بالتقرب
من السلطات الحاكمة.
ثانيا -
غياب حرية الفكر وحرية البحث العلمي وغياب الاحترام للعلماء.
ثالثا -
تشير عدة تقارير عربية إلى عامل آخر بالغ القسوة، وهو القيود
الخانقة ضد النشر وحرية الفكر.
وهكذا،
يمكن القول إنّ السبب الأساسي للهجرة متصل بغياب الديموقراطية
في الدول العربية. والديموقراطية هنا ليست بمعنى توافر الحريات
الفردية والعامة فقط، كي يشارك الأكاديميون في انتخابات حرة
ونزيهة ويطالعون صحفا مستقلة ويحمون كرامتهم من التعديات
والانتهاكات الشائعة في بلدانهم، وإنما هي أيضا التنظيم
العقلاني للمجتمع، وبخاصة قطاع البحث العلمي الذي يحتاج ليكون
أنموذجا لمحاربة الفساد والمحسوبية والرشوة.
إنّ
الجامعات لا يمكن أن تنتج معرفة بدون حريات أكاديمية، ومراكز
الدراسات والبحوث لا يمكن أن تعمل وتنتج معرفة معمقة في ظل
تدخلات وممنوعات تفرضها السلطات العربية، أو بعض القوى الجاهلة
في المجتمع تارة باسم "الأعراف والتقاليد" وتارة باسم "السلم
الأهلي" وتارة أخرى باسم "الدين". وبالطبع لا يمكن الحديث عن
إنتاج معرفة لا يمكن النطق بنتائجها في غياب حرية التعبير
كلاما وكتابة، مما يجعلنا ننتظر حصول تغييرات كبرى في عقلية
وإرادة وتوجهات وبنية الدولة العربية نفسها.
وبعد سقوط
الأنساق السياسية المغلقة، التي كانت تحتكر الحقيقة السياسية،
وظهور أنساق سياسية مفتوحة. وبعد أن أضحى مجتمع المعرفة يقوم
على أساس تنمية الإبداع والاعتماد على الأنساق الفكرية
المفتوحة، القادرة على مواجهة مشكلات العالم الجديد المعقدة.
فإنّ هذا يقتضي التعاقد على أساس سياسي يوفر، بشكل ملزم ودائم،
آلية إنتاج السلطة الوطنية على قاعدة التوازن الوطني، وبالتالي
يتوجب ممارسة المسؤوليات في مؤسسات الدولة والسلطة الدستورية
والمؤسسات العامة على قاعدة الاستحقاق والمؤهلات دون تفرقة أو
تمييز بين مواطن وآخر. وعندما نعتمد أسلوب الاختيار على أساس
الكفاءة فإننا نعطي أملا لجميع المواطنين في إمكانية التغيير،
مما يحوّل الناس من سلبيين وساخطين ومحبطين دائما إلى أناس
مشاركين وفاعلين ومتطلعين ولهم أمل، وتساعد على خلق صفوف جديدة
من القيادات الشابة التي تستعد لأخذ دورها، بناء على جهدها
وعملها ونشاطها.
__________
* كاتب
وباحث سوري مقيم في تونس |