|
* بينما صادقت على تنفيذها مع حزب الله:
لماذا ترفض إسرائيل صفقة تبادل أسرى مع الفلسطينيين؟
موقع إيلاف - الثلاثاء 01 تموز/ يوليو 2008
خلف خلف
في الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو 2006، تمكن نشطاء
فلسطينيون من أسر جندي إسرائيلي على طول الحدود الجنوبية
الممتدة مع قطاع غزة. وبعد إنقضاء سبعة عشر يومًا، وفي لجة
انشغال تل أبيب في معالجة صدمتها، كانت على موعد مع حدث مماثل،
لكنه أشد فتكًا وخطورة، هذه المرة على الجانب الشمالي من
حدودها مع لبنان، هاجم عناصر من منظمة حزب الله دورية عسكرية
إسرائيلية، وأسروا جنديين، وقتلوا 8، واختفوا. وقع النبأ على
الحكومة الإسرائيلية، كالصاعقة، جن جنونها، قرأت في العمليتين
المتتاليتين، رسائل عدة، أبرزها، انهيار منظومة الردع للدولة
العبرية أمام المنظمات التي تصفها بالإرهابية.
صادقت الحكومة بزعامة أيهود أولمرت، في اليوم ذاته، على حملة
برية عسكرية، عرفت لاحقًا بحرب لبنان الثانية، ولم تحقق
أهدافها، بل على العكس، سجلت خلالها إخفاقات إسرائيلية كثيرة
على المستويات الإستراتيجية، واللوجستية، بل أيضًا التكتيكية،
وانقضت الحرب في الرابع عشر من آب/أغسطس على حسب قرار 1701
الذي صدر عن مجلس الأمن. كانت هذه النهاية مفاجئة بقدر ما،
خاصة أن قيادة إسرائيل كانت على علم بحقيقة أن أعمال الجيش
الإسرائيلي لها آثار تتجاوز ساحة جنوب لبنان، كما أن الحرب
انقضت، دون استعادة الجنديين، صرح أولمرت منذ البداية بأن
الحرب تستهدف إعادتهما.
انطوت إسرائيل على نفسها، وانشغلت في التحقيق في إخفاقاتها،
وغاب موضوع الجنديين الأسيرين لدى حزب الله عن وسائل الإعلام
بشكل أثار الذهول لدى بعض المراقبين والمتابعين للقضية، بينما
بقيت قضية "جلعاد شاليت" الجندي المحتجز لدى الفصائل
الفلسطينية في قطاع غزة، تتردد في ظهورها على وسائل الإعلام
بين الفينة والأخرى، وسط تقارير وتحليلات تتحدث عن تقدم في
الوساطة المصرية لإنجاز صفقة تبادل في هذا الخصوص، لكن لم ير
العالم تقدمًا حقيقيًا في هذا الملف، سوى التصريحات والتسريبات
الصحافية.
وبعد اختفاء طويل عن الصحافة، ومرور نحو عامين على اسر حزب
الله للجنديين الإسرائيليين، عادت قضيتهما لتتصدر من جديد
وسائل الإعلام بقوة وعلى نحو مفاجئ. لكن ما زاد الدهشة ورفع
منسوبها، تمثل بمصادقة الحكومة الإسرائيلية رسميًا على صفقة
التبادل مع حزب الله بعد أيام فقط من التسريبات حول تقدم في
المفاوضات التي يقودها الوسيط الألماني، وبانتظار اللمسات
الأخيرة من المتوقع أن تنفذ الصفقة خلال أسبوعين أو عشرة أيام
على الأقل، بحسب تقارير إسرائيلية.
التطور السابق غير المتوقع بالنسبة إلى الكثيرين، أسس لعدة
تساؤلات، أهمها: ما السر في انجاز صفقة التبادل بين حزب الله
وإسرائيل بهذه السرعة، بعد غياب طويل، بينما بقيت صفقة التبادل
مع الفصائل الفلسطينية عالقة دون تقدم حقيقي يذكر، على الرغم
من وجودها شبه الدائم على أجندة وسائل الإعلام، والتسريبات
المتعددة حول تحقيق تقدم في سياق تنفيذها؟
البحث عن الأسباب، يتطلب تقديم قراءة متأنية لمحددات التبادل،
في الصفقتين، المتعلقتين بحزب الله، وحركة حماس - ممثلة
للفصائل الفلسطينية اسرة الجندي-: يشترط حزب الله في صفقة
التبادل، إطلاق سراح سمير القنطار، وأربعة من عناصره، وجثث نحو
200 لبناني مدفونين في إسرائيل، كذلك تطلق تل أبيب وفقًا
لمعاييرها الخاصة، بضعة أسرى الفلسطينيين (لم يكشف عددهم)
كبادرة إنسانية، - لا تصور كجزء من الصفقة-، وهو ثمن بخس
بالنسبة إلى إسرائيل، لإنهاء هذا الملف، على الرغم من كل
الاعتراضات التي ظهرت في تل أبيب، وقادها كتاب الأعمدة في
الصحف العبرية.
أما الفصائل الفلسطينية، فتشترط من جانبها، إطلاق نحو ألف أسير
فلسطيني، هوياتهم محددة، في قائمة، تتضمن أصحاب أحكام عالية،
وأطفال ونساء. لوهلة يبدو هذا السبب الرئيس في عدم نجاح الجهود
المصرية في إخراج الصفقة للنور حتى اللحظة بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، ولكنه ليس كذلك، إذا اتضحت باقي التفاصيل،
والتي يمكن تبيانها بالآتي: تجد إسرائيل سهولة أكبر بتسويق
وتبرير صفقة تبادل مع حزب الله، لإيهامها جمهورها الداخلي،
والعالم اجمع، بأنها تفاوض دولة (لبنان)، وليس "منظمة تحاربها"
كما هي الحال مع حماس.
أيضًا صفقة التبادل مع الفصائل الفلسطينية في غزة، يبدو وضعها
أكثر تعقيدًا، لوجود العديد من الملفات الأخرى المترابطة مع
بعضها البعض، كالحصار، والتهدئة، والمعابر، والصواريخ المحلية
الصنع، وتجد إسرائيل كذلك صعوبة بالغة بالرضوخ لشروط حماس في
أي صفقة، لما يحمله هذا الاعتبار من ارتدادات تتبلور بزيادة
شعبية الحركة في الساحة الفلسطينية والعالم العربي.
إنهاء قضية تبادل الأسرى مع حزب الله، تطوي صفحة كاملة بالنسبة
إلى تل أبيب، التي تستبعد إقدام الحزب على عملية اسر لجنود
إسرائيليين مستقبلاً، لتقلص دوافعه في هذا الاتجاه، وخشيته من
ردود قاسية على غرار الحرب الأخيرة. وفي المقابل، فإن تنفيذ
صفقة تبادل مع "حماس" لا تضمن عدم تكرار عمليات الأسر ضد جنود
إسرائيليين، لاستدامة الصراع، وطبيعته المتأججة.
كذلك ان كانت أجهزة المخابرات الإسرائيلية تعول نسبيًا على
تحديد مكان احتجاز شاليت في غزة، وتضع في اعتباراتها هذا
الخيار إلى حد ما، لتنفيذ عملية عسكرية خاصة لفك أسره دون ثمن،
فهذا الأمل مفقود على المستوى لبناني، الخاص بالجنديين، وبخاصة
وسط توقعات إسرائيلية بوفاتهما، نتيجة حجم الانفجار الذي طال
العربة العسكرية التي اسروا منها.
بالإضافة لما ذكر، فإن تل أبيب معنية بتبريد الجبهة مع لبنان،
نتيجة الحديث عن مفاوضات سورية- إسرائيلية، في الوقت الحاضر.
وهي أيضًا اعتادت على صدق وعود الأمين العام لمنظمة حزب الله
حسن نصر الله، الذي هددها أثناء صفقة تننباوم عام 2004، بأن
يطلق سراح القنطار الذي أخرجته من شاحنة التبادل في آخر لحظة.
وقال نصر الله حينذاك إن إسرائيل ستندم على ذلك لأنها ستضطر
إلى إطلاق قنطار في ظروف أصعب من هذه. وفعلاً بعد عامين اختطف
حزب الله الجنديين، وخرجت إسرائيل لحرب، دفعت خلالها ثمنًا
باهظًا، وفي نهاية المطاف وافقت على إطلاق القنطار.
وقبل الختام، لا بد من التنويه، إلى أن الأمل بتنفيذ صفقة
تبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية رغم كل ما ذكر يبقى
قائمًا، في حال استطاع الطرفان المحافظة على التهدئة لأطول
فترة ممكنة، مما سيمهد الأجواء المناسبة للوسيط المصري للقيام
بدوره في هذا السياق، ولكن على الأقل في الوقت الحالي استنادًا
إلى الدلائل على الأرض يبدو ذلك صعبًا. |