يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* بين الاستبداد والحرية...

موقع أخبار الشرق – الثلاثاء 1 تموز/ يوليو 2008

مازن كم الماز

في الحقيقة لا تقتصر الهجمات والانتقادات "الجذرية" التي تشن على الديمقراطية التمثيلية على اليسار فقط، فاليمين أيضا له تاريخ عريق في انتقاد هذه الديمقراطية التمثيلية.. هذا النقد اليميني للديمقراطية التمثيلية غالبا ما اتخذ شكل الفاشية الصريحة أو الضمنية، هذا في الغرب، يقول موسوليني في مقدمته لطبعة 1924 من كتاب الأمير لماكيافيلي واصفا هذه الديمقراطية التمثيلية:" أظهرت (ثورات القرنين السابع عشر والثامن عشر) السلطة وكأنها صادرة عن إرادة الشعب الحرة، وهذه خرافة فضلا عن كونها وهم. فأولا لم يكن بالإمكان تعريف الشعب أبدا، وهذا ككيان شيء أساسي هو كيان مجرد تجريدا بحتا.... إن صفة السيادة حين تطبق على الشعب تكون سخرية مؤلمة. الشعب يرسل على أكثر تقدير ممثليه، ولكنه لا يستطيع في الحقيقة أن يمارس أية سيادة. إن النظم التمثيلية تخص الآلية أكثر من الأخلاق... وترون أن السيادة التي تمنح للشعب باللطف تسحب منه في اللحظات التي يستطيع فيها أن يشعر بالحاجة إليها وتركها له وحده، عندما تكون غير ضارة أو ممدوحة..." (الأمير، إصدار دار الجيل، الطبعة 23، 1999)..أما في مجتمعاتنا وثقافتنا و"سياستنا" فإن أنظمة الاستبداد المطلق سواء "الممانعة" منها أو "المعتدلة" تروج عبر مثقفيها أو مؤسساتها لخطابات تعتبر هذه الديمقراطية التمثيلية حالة غريبة عن مجتمعاتنا، وساهم هذا إلى حد كبير في تجميل هذه الديمقراطية التمثيلية محليا وتصويرها على أنها خطوة متقدمة مقارنة بالواقع الراهن، واقع استبداد هؤلاء بحياتنا..

لكن دعونا نذهب أبعد قليلا، مثلا إلى فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، الطاغية الشهير، يقول هذا الطاغية المعروف بقسوته وعدائه الذي لا هوادة فيه للحرية والمنادين بها في مذكراته: "ماذا حدث عندما أعلنت المشروطية (أي فرض الدستور على السلطان)؟ هل قلت الديون؟ وهل كثرت الطرق والموانئ والمدارس؟ هل أصبحت القوانين الآن أكثر تعقلا ومنطقا؟ وهل ساد الأمن الشخصي؟ هل الأهالي الآن أكثر رفاهية؟ هل تناقصت الوفيات وزادت المواليد؟" (مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني، دار القلم، الطبعة الثانية 1991 ص 95 – 96) ويضيف الطاغية: " نعم أنا أسست جهاز الجورنالجية (المخابرات أو الشرطة السرية) وأنا أدرته، متى حدث هذا؟ بعد أن رأيت صدوري العظام (الصدر الأعظم يعادل رئيس الحكومة في أيامنا) يرتشون من الدول الأجنبية مقابل هدم دولتهم والتآمر على سلطانهم؟ أسست هذا الجهاز لا ليكون أداة ضد المواطن، ولكن لكي يعرف ويتعقب هؤلاء الذين خانوا دولتي" (مذكرات السلطان عد الحميد الثاني، ص 160) ويختم أن وزيره الداعي للديمقراطية لم " ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوروبا، لكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية ولا تأثيراتها الأخرى. أقراص السلفات لا تصلح لكل مرض ولكل بنية، وأظن أن المشروطية لا تصلح لكل شعب ولكل بيئة قومية" (المذكرات، ص 80)..

إن هذا الخطاب تقليدي ومألوف لآذاننا، إنه خطاب تلك الأنظمة التي تسعى عبر رجال إعلامها لتبرير مشروعيتها المتهافتة مع سقوط خطاباتها ومع انهيار أحوالنا كرعايا..هذا دون أن نضيف اليهود وهيرتزل وفلسطين إلى تلك الصورة، لتصبح مجرد نسخة كربونية عما يجري ويقال اليوم..أين هو المأزق هنا؟ المأزق الحقيقي يتمثل في هذا النوسان والتنقل الدائم بين طرفي الاستبداد وديمقراطية النخب التي تسمى بالديمقراطية التمثيلية، هذا في حقيقة الأمر مأزق يعبر عن أزمة قوى التغيير أو ضحايا النظام السائد أكثر من تعبيرها عن أزمة النظام القائم وخاصة النخب المسيطرة على السلطة والثروة..لقد تغيرت السلطة بالفعل في ألمانيا واليابان بعد هزيمة النازية والنخبة العسكرية الأرستقراطية هناك، وتغيرت ربما أسماء سلاطين رأس المال قبل وبعد التغيير، لكن النظام بقي واستمر، بقيت النخب هي التي تملك وتحكم وبقي الشعب يقتات على الوهم، وهم الحرية، في مجتمع أحادي البعد كما سماه ماركوزه، في روسيا كان من الضروري تصوير يلتسين على أنه روبسبير أو ربما جيفرسون؟!! وقوبل هجوم دباباته على البرلمان الروسي ببرود من الصحافة الغربية "الليبرالية"، كما فعلت مرارا من قبل أمام صور اليابانيين ذوي الجلود المحترقة في هيروشيما أو العراقيين أو الإيرانيين الذين قتلتهم الغازات السامة لصدام فيما كان رامسفيلد يعد طاغية بغداد بدعم غير محدود في معركته ضد آيات الله في طهران..أما في العراق، ما بعد التغيير، فما نشاهده ليس إلا عملية خلق حكم طاغية جديد، إننا نجد في أسلوب التعامل مع "المعارضة" أو مع الفئات الاجتماعية والطائفية وحتى العشائرية التي تعتبر معادية للنخبة الحاكمة، والدمج السريع الذي جرى في الخطابات الرسمية بين مفاهيم الوطن – الدولة وحتى الشعب (و المبالغة في تجريدها وإبعادها عن واقع الناس المباشر وتحديدا عنهم هم) وبين النخبة الحاكمة ما يذكر بكل بساطة بممارسات الديكتاتورية السابقة وخطاب أزلامها، ناهيك عن "تغييرات" أو "إصلاحات" أكثر محدودية شاهدناها في سوريا فيما سمي بربيع دمشق وأخرى تترافق مع صعود نجم جمال مبارك في مصر، كضرورة لتمرير توريث كرسي الحكم حيث يجري استخدام وعود محدودة بالتغيير كأشبه ببساط أحمر يقود الزعيم الشاب إلى كرسي الحكم ويجري تبرير هذه المحدودية بالخوف من الفوضى والرغبة في "إصلاحات هادئة ومتدرجة، مأمونة"، إننا أمام حالة تكرار كوميدي لكنه أسود لهذا التعاقب الدائم للاستبداد ولشكل أكثر "ديمقراطية" من حكم النخب، هنا فقط يكتسب هذا الخطاب أو "نقيضه" الشعبية والشرعية اعتمادا على قرب ذكريات الاستبداد كما في العراق اليوم أو من مساوئ ديمقراطية النخب الحاكمة وتهافتها، هذه عملية تستغرق أجيالا (كما نشاهد اليوم في إيران حيث يبتعد مزاج النخب عن السلطة القائمة وخطابها الاستبدادي الإيديولوجي ويبدو وهم ديمقراطية النخب في مقابل هذه السلطة وخطابها، الذي يسقط تدريجيا أمام امتحان الزمان وتحقيق حاجات الإنسان، كهدف جدير وحقيقي) ولكنها لا تتوقف أبدا عن التقدم نحو نقيضها..أما بالنسبة للناس العاديين فإن أم الفضائل هي الخنوع والاستسلام أما "الحرية" أو الديمقراطية فهي ليست في نهاية الأمر، بالنسبة إليهم أو وفق المطلوب منهم، إلا خضوعا لا نهائيا للواقع السياسي والاجتماعي السائد أي للنخب المسيطرة، وأي حراك أو عمل جماهيري مستقل خارج هذه السيطرة هو فوضى أو مفتاح للفوضى – الله يستر! إن هذا تشخيص في غاية الخطأ والغباء، إن الخطر لا يكمن في ثورة الجماهير على، أو تحررها من سيطرة، النخب، بل في هذه النخب ذاتها التي شاهدناها في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين وفي فيتنام وهيروشيما وروسيا الستالينية وفي كل مكان تندفع في حروب وصراعات دموية لا تكاد تنتهي بينها، بما في ذلك حربين عالميتين، لها عنوان واحد فقط هو سيطرتها على كل شيء أو الاقتتال على نصيبها من السلطة والثروة، إن ذنب الجماهير لا يتجاوز استسلامها الدائم لخطابات سيطرة هذه النخب وعوامل إعادة إنتاج سلطتها هذه "تجنبا للفوضى"، إن هذه السيطرة وذلك الخنوع من جانب الجماهير بالتحديد هي السبب الحقيقي لكل الفوضى السائدة خاصة تلك الحروب الأهلية الدموية في مجتمعاتنا، هكذا يجري العمل بكل حرص من قبل النخب على إعادة إنتاج مضمون واحد فريد "للحرية"، مضمون يجعلها مقصورة فقط على فئة دون بقية البشر، بحيث تكون هذه الحرية صفة خاصة محصورة بفئة من "الأذكياء" أو "العلماء" أو العارفين بالنص المقدس حتى درجة الاجتهاد أو "الثوريين جدا" أو حتى مجرد أولاد الحسب والنسب، أما عامة البشر فهم غير جاهزين أو مستعدين لممارسة الحرية، ليسوا أهلا لها..يمكننا أن نضيف هنا بكل ثقة أن السلاطين والملوك والشيوخ (احتراما للمقامات السامية العربية)، وأشباههم من رؤساء الجمهوريات، هم أكثر حرية بما لا شك فيه من رعاياهم، من المؤكد أيضا أن أصحاب المليارات أكثر حرية من مليارات الفقراء، أن من يعرف أكثر هو أكثر حرية، من المؤكد أن المدراء أكثر حرية من مرؤوسيهم، ومن المؤكد أننا نعرف عن أصحاب الفضائيات، عن آراءهم السياسية و"فضائلهم" "العديدة" وحتى حياتهم الخاصة أكثر مما نعرف عن ملايين الناس الذين يقضون حياتهم باحثين عن رغيف الخبز، من المؤكد أن كل هؤلاء السادة والعبيد مختلفون جدا رغم تشابههم الفيزيائي، ومن المؤكد أننا نعيش في ظل نظام يغير جلده لكن يحتفظ بجوهره سليما "صحيحا" على الدوام، هذا الجوهر الذي يقوم على تخصيص مجموعة، فئة، أقلية من البشر دون غيرها بالمال والسلطة والمعرفة، سواء أكان هذا باسم الطاغية الراشد أو المستنير أو العلماني أو الإيماني أو باسم النخبة الحاكمة التي تعتبر أنها تمثل الشعب اعتمادا على آليات إنتاج سيطرتها الاجتماعية والطائفية أو الدينية ولا سيما المالية سياسيا، فيما يترك بقية الناس، الذين تقرر جميع النخب والخطابات أنهم غير مؤهلين للحرية، في جهل وفقر لا شفاء لهما، هذا هو "الوضع الطبيعي" في هذا العالم، هذا هو الأساس "الواقعي" لهذه السلطة الأبدية لمن يملك الثروة والسلطة، لمن يملكنا ويملك مصيرنا وحياتنا في نهاية الأمر...

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.