|
* كي لا يفوتكم قطار
المدينة.. فتبقون في الضواحي
بقلم: فرمان صالح بونجق
*
أخبار
الشرق – 30 حزيران/ يونيو 2008
منَ
الصعوبةِ بمكان ألا يستذكرَ المرءُ ماضيَه وماضي آبائهِ
وأجداده وأسلافه الأولين، ومنَ الصعوبةِ أيضاً بمكان تصديقُ ما
يقال: بأن ما فاتَ قد مات، وعلى رأي سلفنا ماركس: فإن الميّتَ
يتعلق بتلابيب الحيِّ. وهذه علاقة جدلية وترابطية بين الماضي
والحاضر، وقد تمتد إلى المستقبل، إلا عند أولئك الذين يتبرؤون
من ماضيهم!! ومنْ أبرز سمات هذا الترابط الوثيق، إنْ على
الصعيد الاجتماعي (القومي) لأنَّ القومَ جماعة في النهاية،
وذلك بحسب تحليل معمر القذافي، وأنا من أنصار هذا التفسير.
وإنْ على الصعيد السياسي، لأن السياسة هي فن إدارة الممكنات من
الأمور... وهذا بحسب السياسي الكردي جلال الطالباني، وأنا أضيف
إليه:... في حكم الأقوام أي المجتمعات. ومثلُ هذا الحديثُ
يقودنا إلى تضافر ما هو سياسيٌّ واجتماعيٌّ على قاعدة
تاريخيةٍ، للدلالةِ على المفهوم الارتجاعي للعقل البشري والذي
يجعلنا دوماً أنْ نحرصَ على العودة إلى نبش الذاكرة، وهي عملية
عودةٍ إلى قراءةِ التاريخ بشكل ما.
وذاكرتي
تقول: بأن الأكراد كقومٌ أي كقومية لها دلالاتها الاجتماعية،
لابد وأن تكون ذو مرتكزاتٍ وأبعادٍ تاريخيةٍ، وهذا أمر بديهي،
وآثرتُ أنْ أشاركَ في إثبات البديهيات ولو قليلا كما قال مظفر
النواب، وقد يُعتبر الأمر جنونياً عندما تحاول أنْ تثبتَ
بديهية، ولكن بعض الناس يعتبرون بديهياتنا مسلماتٌ لابد من
برهنتها، وهذه ذروة الجنون. ويبدو لي أنَّ المسألة من بدايتها
جنونٌ في جنونٍ.
وبالعودةِ
إلى العنوان، فالمدينة تشكل البعد الحضاري للمجتمعات
الإنسانية، وهو بعدٌ مرتبطٌ بفلسفة الحتمية التاريخية لتطور
المجتمعات البشرية من الجانب الإنساني قبل الجانب الاقتصادي،
أو هكذا يفترض بها أن تكون، وأما الضواحي وهي جمع ضاحيةٍ، وقد
ترمز إلى الحالةِ الاجتماعية وربما الفكرية التي تتخلف قليلا
عن هذا الركب الحضاري. وقد يكون بالإمكان إسقاط هذا المفهوم
على طبيعة العمل السياسي داخل المجتمعات وعلى وجه الخصوص وفي
بحثنا هذا (المجتمع السياسي الكردي في سوريا)، والذي درجت
تسميته (بالحركة السياسية الكردية)، والتي تتكون من طيفٍ من
الألوان غير المنسجمةِ وغير المتآلفةِ وغير المتناسقةِ، ولكنها
على الأقل غير متنافرة، وهذا أيضاً أمر بديهي وسنحاول إثبات
هذه البديهية أيضاً.
وكإشارةٍ
أولى فإن الأحزاب السياسية التي تنمو وتترعرع في وسط اجتماعيّ
قبلي وعشائري غالباً ما تتنازعها الولاءات القبلية والعشائرية،
وتنمو في داخلها مراكز قوى تحاول الأخذ بعين الاعتبار مصالح
الفئة التي تنتمي إليها، ويحدث هذا أيضاً في الأحزاب التي تضم
في جنباتها مُركبات طائفية، فتستأثر طائفة دون أخرى، وقد تلجأ
بعض هذه الأطراف أحياناً إلى تصعيد هكذا تنازعات في ظروفٍ
تتوفر فيها مسببات التنازع وأدواته وشروطه بالإضافة إلى تحريض
قوى أخرى مستفيدة من هذا التنازع، تلجأ بعض الأطراف إلى
النزاعات المسلحة الدموية، ويسهِّلُ لها المناخات السياسية غير
الصحية وغير الديمقراطية وغير الشرعية، كما يحدث الآن في مناطق
عديدة من هذا العالم، وأمثلتنا على ذلك كثيرة ومنها الباكستان
وأفغانستان. والقارة الأفريقية خير شاهد على ذلك بدءاً من
دارفور ووصولاً إلى جنوب أفريقيا مروراً بكينيا وزيمبابوي
وغيرها، وإنْ يظهر للعيان بأن هذه الصراعات تأخذ طابعاً
سياسياً يرتكز على قاعدةٍ حزبية، ولكنها في الحقيقةِ ناتجٌ عن
تأثير مراكز القوى داخل مناطق نفوذ تتنازعها مراكز قوى قبلية
وعشائرية في الأصل. وليس ببعيد حدث مثل هذا الأمر في إقليم
كردستان العراق وانتهى بالمحاصصةِ، والمحاصصةُ أيضاً ظاهرةُ
صحيةٌ بالمعنى السياسي تاريخياً، ودليلنا على ذلك أنها أي
(المحاصصة) اتخذت شكلاً واضحاً أثناء الفتوحات الإسلامية، فقد
كان يتم تعيين الولاة من أهل المنطقة التي يتم فتحها، ويباشرون
أعمالهم ضمن سياق نظام سياسي يعتمد على مبدأ المحاصصةِ في
الحكم. وبهذا نكون (تقريباً) قد برهنَّا على بديهيتنا المتعلقة
بالحركة السياسية الكردية في سوريا.
وباعتبار
أن الأكراد في سوريا جزءٌ من النسيج الاجتماعي السوري، وهذا ما
تبناه الرئيس بشار الأسد، وهذه نقطةٌ بناءةٌ ومفيدة وليست
محلَّ اختلاف، إلا إذا تعرضَّت للتفسير والتأويل من قبل البعض،
كأن يطل علينا مثلا وزير الإعلام السوري ليقدم لنا اجتهاداً
آخر في التفسير يتناقض مع جوهر هذه النقطة والتي قلنا عنها
بأنها بناءة ومفيدة. وعندها قد نخرج من صمتنا قائلين: يا أخا
العرب..لا تفسدْ ما يصلحُه الآخرون، فإن الإصلاحَ والله لنعمة
والإفسادَ لنقمة.
وإذا كنا
متفقين على أن الأكراد جزءٌ من النسيج الاجتماعي والوطني
السوري، فلابدَّ لنا من الإتيان على ذكر شيءٍ من نبش الذاكرة،
لنشجب من خلال ذلك ونستنكر تجيير نضالات الكرد في سوريا ضد
الاحتلال العثماني والاستعمار الفرنسي وحتى قتالهم الشرس
واستماتتهم على تخوم الجولان وجنوب لبنان، لغيرهم من بعضِ
الفئات التي كانت موالية للحكم الفرنسي في سوريا فترة
(الانتداب)، وقد حقق الكثير منهم المكاسب الشخصية والفئوية على
حساب دماء الشهداء الوطنيين الكرد الذين سقطوا دفاعاً عن شرف
هذا الوطن في معارك لم يذكرها التاريخ حتى لأطفال المدارس، لأن
القائمين على كتابة التاريخ لم ينبشوا الذاكرة الوطنية السورية
جيداً، فنضطر الآن إلى نبشها من جديد. وهؤلاء الذين حققوا
المكاسب تلك، استغلوا فترة المدِّ القومي في منطقتنا وركبوا من
جديد موجة نمو الفكر القومي ليحصلوا على بعض الغنائم على حساب
المعاناة الاجتماعية (القومية) والنفسية المركبة والمعقدة
لحياة الأكراد السوريين. وهذه بديهيةٌ لا تحتاج إلى برهنةٍ.
لأنها ماثلةٌ أمام ناظرينا.
أما فيما
اتُّفقَ عليها بأنها الحركة السياسية الكردية فتتسم على الأقل
حتى الآن بعدم وضوح الهوية السياسية، ولن يستطيع كائنٌ من كان
أن يُفنِّدَ هذه الحقيقة، سوى أن فعالياتها الحزبية وغير
الحزبية متفقة جميعهاً على أنهم أكراد وينحدرون من أصل كرديّ،
وهذا أضعف الإيمان. ولكنه ليس سيئاً قط، ونحن نرى هذا الكم من
الألوان السياسية وهي تتحرك بانسيابية مفتعلة، تارة بإحياء
المناسبات، وتارة بإقامة المهرجانات وإلقاء الخطابات، وتاراتٍ
كثيرةٍ بشنِّ الهجمات، حتى بدأ المثقف الكردي يتساءل كما تساءل
لينين:(ما العمل؟).
وتوضيح
الهوية السياسية باعتقادي يبدأ من توحيد الخطاب السياسي، لأن
الخطاب السياسي يعكس الحالة السياسية الراهنة، وبالتالي بات من
الواجب الوطني والاجتماعي (القومي) تبني مواقف موحدّة لا
متباينة إزاء القضايا الهامة والملحة التي تفرضها طبيعة
المرحلة، وتبيان وجهة النظر التي تمثل مصالح وتطلعات الكرد ضمن
طرح سياسي واضح المعالم والوقوف من خلاله على ردود الفعل
الرسمية للقوى السياسية الوطنية في سوريا، سواء أكانت هذه
القوى من الأحزاب المشاركة في السلطة أو من القوى والأحزاب
التي تعمل خارج السلطة. وبناءً على هذه الردود يتم تكريس
الموقف الكردي العام من هذه القوى أو الأحزاب السياسية التي
تمت الإشارة إليها. وإنْ كنتُ أزعم هنا بأن إمكانية توحيد
الخطاب السياسي الكردي رهنٌ بالمؤثرات الدولية والإقليمية
وأيضاً الداخلية، وهذا شأن آخر يمكن البحث فيه لاحقاً.
إلا أنني
أرى بأنه من الممكن ـ ولا ضير في ذلك ـ أن تتحدث أحياناً بلغة
المخاطبة، وهي لغةٌ محببةٌ للنفس، وقريبةٌ من القلب، خاصةً إذا
كنت تتحدثُ إلى أولئك الذين لا يفصلك عنهم فاصل، وتنظر فترى ما
ينتظرهم، وتحكِّمَ عقلك قبل مشاعرك، وتدعوهم بشدَّةٍ كي لا
يفوتهم قطارُ المدينةِ، فيبقون في الضواحي، وإن لم يفعلوا، فما
عليك إلا أن تفعلَ كما فعل دريد لحام عندما وضع إحدى قدميه في
شرقستان والقدم الأخرى في غربستان، ومضى في حياته وهو يلوي على
شيء.
__________
* كاتب
كردي سوري |