|
* أنظمة إلى مزبلة التاريخ
صحيفة السياسة الكويتية –
الخميس 15 آذار/ مارس 2007
أحمد الجار الله
فقدان المنطق السياسي، ومبررات الوجود المقنعة،
والصلة المقطوعة مع الشرعية الشعبية والقانونية والدستورية، هي
بعض العوامل، الى جانب العقد النفسية والاجتماعية، التي تدفع
النظام السوري الى اعتماد الارهاب في التعامل، وما يتفرع عنه
في العادة من أدوات كالقتل والاغتيال، والتفخيخ وتلغيم
السيارات المدنية وسلاطة اللسان.. هذه الوسائل التعاملية
الخارجة هي الوحيدة التي يمتلكها النظام السوري ويفرض بواسطتها
حضوره الشاذ على مواطنيه، وعلى سائر الشعوب والدول التي يتصور
انه بإرهابها وتخويفها يستطيع أن يطيل عمره، ومدة احتفاظه
بالحكم وبالسلطة.
هذا السلوك المنحرف الذي فشل العالم في اجبار
النظام السوري على تقويمه، يسحب نفسه أيضا على مواقف رئيس هذا
النظام بشار أسد من الآخرين.
فبعد توقف الحرب الاسرائيلية الفظيعة على لبنان
الصيف الماضي، القى بشار أسد خطاباً لقطف ثمار هذه الحرب وجه
فيه اهانات بذيئة الى الرؤساء العرب الذين اتهموا المتسببين
باندلاع هذه الحرب بالمغامرين، وقال انهم اشباه رجال وزعماء
افتراضيون. ومن يومها وحتى يوم مجيء نائبه فاروق الشرع الى
القاهرة أول من امس، واجتماعه بالرئيس مبارك، ومحاولات هذا
النظام لم تنقطع أو تتوقف للخروج من هذا المأزق، أو للالتفاف
عليه. في القاهرة حاول الشرع ان يقول ان رئيسه لم يقصد الرؤساء
العرب بالاهانة، بل قصد صغار السياسيين في بعض الدول العربية.
والشرع نسي في هذا المجال أن ذاكرة العرب مازالت حاضرة بقوة،
وان هذه الذاكرة ليست ضعيفة، فذهب بعيداً في مضاعفة الاهانة
بنفيها، وبنفي ان الزعماء العرب هم المقصودون بها.. لقد انتقد
بشار اسد يومها كل الحكام العرب، وها هو نائبه الشرع يحاول
الضحك علينا بالنفي، وكأنه لا توجد تسجيلات، بالصوت والصورة
لخطاب رئيسه، ولا توجد ادلة على كلامه.
تكذيبات النظام السوري لتصريحات الآخرين، ونفيه
لتصريحات رئيسه، يكونان من زمن بعيد ما يمكن الاصطلاح عليه
بأنه سياسة سورية، لكنها من النوع الذي يمارسه النظام على نفسه
ويستعرضه أمام المرآة.. هذا النوع من السياسة المفترضة لا تخرج
عن كونها اداة ارهابية هي الاخرى لأنها تعتمد على الاكراه،
وتستبطن التصفية الجسدية اذا ما قوبلت بعدم الاقتناع من قبل
المستمع لآخر غير السوري.
وتكذيب ما ورد في خطاب بشار أسد ليس الاول من
نوعه.. فالنظام السوري تعود تكذيب الصحيح دائما، فكلما أتاهم
رئيس او وزير او شخصية سياسية يسارعون الى تكذيب اقوالها حين
تتحدث عما جرى بينها وبين رئيس النظام أثناء المحادثات، أو
بينها وبين اي شخصية في النظام. ومن ابرز هذه التكذيبات تكذيب
تصريحات وزير خارجية اسبانيا ميغيل انخل موراتينوس الصيف
الماضي، وتصريحات امين الجامعة العربية عمرو موسى، والتي ورد
فيها كلام لم يعجب النظام.
ان السياسة التي تعتمد على التكذيب هي سياسة
الأنظمة الشمولية الاستبدادية التي تتكلم في اتجاه واحد،
وتطالب برضوخ الآخر لها مقابل تأمين سلامته.. لكن هذه السياسة
تنتهي في العادة الى لا شيء. ولنتجاهل عهد الراحل حافظ أسد
المديد، ولنعد الى عهد وريثه بشار، فمنذ بداية هذا العهد هل
ساهمت سياسة التكذيب في تقدم سورية؟ الجواب لا. فسورية الآن
بلد معزول عربياً وعالمياً، غارق في الفقر والبطالة، ومنبوذ من
كل أمم الأرض.
نعم لقد أهان بشار أسد الحكام العرب، واتهمهم بأنهم
"انصاف رجال". وسابقاً هدد رؤساء الدول الكبرى، ويبدو أن هذا
الرجل، وبوجود سياسة التكذيب، اي يقول شيئا ثم يسارع الى نفيه،
كناية عن ظاهرة صوتية تنتسب الى الفراغ. وفي العادة فإن
الظواهر الصوتية لا تمتلك الا مساحات الوجود الضيقة التي سرعان
ما تتلاشى بعدها وتزول.
وطبعاً ستنتهي الظاهرة الصوتية للنظام السوري كما
انتهت ظواهر أنظمة استبدادية مماثلة، القيت في مزابل التاريخ. |